صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
283
تفسير القرآن الكريم
الأوليات الحاصلة من المشاركات والمباينات بين ما يقع الإحساس بها من المحسوسات الجسمانية ، فتكون النفس في أول الاستكمال محتاجة إلى البدن وقواه على الوجه المذكور ، ولذا قيل : « من فقد حسا فقد علما » . ثم إن البدن جسم مركب من عناصر متضادة فله بحسب كل منها أضداد يجب الاحتراز عنها في مدة بقائها ، وهو في أول التكون قليل المقدار صغير الجسم لكون كل بدن حاصلا من مثله في النوع بفضلة تحصل منه ، وفضلة الشيء لا يمكن أن يساويه ، فلهذا الوجه ولوجوه اخر مذكورة في مقامه لا بد أن يكون في أول الحداثة قليل المقدار غير تام الخلقة ، ويكون تمامه بورود الجسم الشبيه به - قليلا قليلا - في مدة حياته وهو الغذاء وطلبه إنما يكون بالشهوة ، والشهوة لا بد لها من إدراك سابق لأن كل جسم لا يصلح للتغذي ، إذ ربما يكون سما قاتلا أو مضرا ، فيحتاج الإنسان إلى قوة ما يدرك المصلح عن المفسد في الأجسام الغذائية ، ولا بدّ أن يكون مدركا بإدراك جزئي من الحواس الظاهرة - لأجل التميّز - والباطنة - لأجل الحفظ والذكر - إذ ربما لا يكون في كل جسم ما يشهد كونه ملائما أو منافيا في كل وقت . فثبت إن استكمال النفس متوقف على بقاء البدن مدة ، وبقاء البدن متوقف على قوى ثلث لأمور ثلاثة : قوة العلم للتميز بين المصلح والمفسد ، وقوة الغضب لدفع المفسدة ، وقوة الشهوة لجلب المنفعة . ومباشرة النفس لهذه القوى الثلاث من باب الضرورة كما علمت ، وإلا فكمالها في التجرد عنها ، ومن ابتلى بصحبة الأخسّاء من الأضداد فما دام اشتغاله بها وعدم الخلاص عنها فالتوسط بين الأضداد بمنزلة الخلوّ عنها ، فإن الماء الفاتر بمنزلة الخالي عن الحرارة والبرودة - فكمال النفس - عند استقلالها بالقوى الثلاث واستعمالها إياها - توسطها بين الإفراط والتفريط فيها لأن لا ينفعل عنها ولا يطاوعها في مآربها ، بل يستعملها على هيئة الاستعلاء عليها لا الانقهار عنها ، وهي إنما تحصل بالتوسط فيها . أما قوة العلم - أي استعمال الحواس الظاهرة والباطنة في أمور الدنيا -